أحمد بن علي القلقشندي

9

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بالرأفة والرحمة رداء فضلنا ، ويحيي بها سنن الإحسان الَّتي مبدأ أيامها غاية من سلف من قبلنا ، ويقيم منار الملك من بأسه على أرفع عماد ، وينيم الرعايا من عدله في أوطإ مهاد ، ويكفّ أكفّ الظَّلم [ حتى لا يتجاسر ] ( 1 ) إلى إعادة يده إليها عاد ومن عاد ، ويجرّد إلى العدا من خياله وخيله سرايا تطرد عن موارد جفونهم بقوائمها الرّقاد ، وتستعيد عواري أرواحهم من مستودعات أجسادهم فهي بحكم العاريّة ( 2 ) غير مستقرّة في الأجساد ، ويصون الرّتب عن تطرّق من يفسد أحوالها لعدم أهليته : فإنّه ما سلك أحد في أيامنا طرق الفساد فساد ، ويعلم به أنّا جرّدنا على العدا سيفا يسبق إليهم العذل ( 3 ) ، ويزاحم على قبض نفوسهم الأجل ، وتتحلَّى بتقليده الدّول ، ويتحقّق بفتكه أنّه لا حاكم بيننا وبينهم إلَّا السّيف الَّذي إن جار فيهم فقد عدل . ولذلك لما كان المجلس العالي الفلانيّ : هو الَّذي اخترناه لذلك على علم ، وقلَّدناه أمور الممالك : لما فيه من حدّة بأس وآية حلم ، وعجمنا عوده ( 4 ) فكان ليّنا على الأولياء فظَّا على العدا ، وبلونا أوصافه فعلمنا منه السّداد الَّذي لا يضع به النّدى في موضع السّيف ولا السّيف في موضع النّدى ، وعرضنا سداده على حسن اعتبارنا للأكفاء فكان سميرنا وحمل فزيّن معروضا وراع مسدّدا ، وهززناه فكان سيفا ينصل ( 5 ) حدّه الخطب إذ أعضل ، وأعطيناه أمر الجيوش فلم يختلف أحد في أنّه أفضل من الأفضل . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال يصطفي من الأولياء كلّ كفء كريم - أن تفوّض إليه نيابة السّلطنة الشريفة بالممالك الشامية : تفويضا يعلي قدره ، ويبسط في مصالح الملك والممالك أمره ، ويطلق في مصالح الدولة القاهرة

--> ( 1 ) في الأصل « إلى ما يتجاسر » . ( 2 ) العاريّة والعارة : ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك . ويقال : كل عارة مستردّة . ( 3 ) في المثل : « سبق السيف العذل » ؛ يضرب لما قد فات ولا يستدرك . ( 4 ) عجم العود : عضّه ليعلم صلابته . وعجم عود فلان : اختبره . ( 5 ) أنصل الشيء : أخرجه وأزاله .